ابن قيم الجوزية

75

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقد علم بهذا مستحب القلب ومباحه . وأما عبوديات اللسان الخمس . فواجبها : النطق بالشهادتين ، وتلاوة ما يلزمه تلاوته من القرآن . وهو ما تتوقف صحة صلاته عليه « 1 » ، وتلفظه بالأذكار الواجبة في الصلاة التي أمر اللّه بها ورسوله ، كما أمر بالتسبيح في الركوع والسجود ، وأمر بقول « ربنا ولك الحمد » بعد الاعتدال ، وأمر بالتشهد ، وأمر بالتكبير . ومن واجبه : رد السلام . وفي ابتدائه قولان . ومن واجبه : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتعليم الجاهل ، وإرشاد الضال ، وأداء الشهادة المتعينة ، وصدق الحديث . وأما مستحبه : فتلاوة القرآن ، ودوام ذكر اللّه ، والمذاكرة في العلم النافع ، وتوابع ذلك . وأما محرمه : فهو النطق بكل ما يبغضه اللّه ورسوله ، كالنطق بالبدع المخالفة لما بعث اللّه به رسوله ، والدعاء إليها ، وتحسينها وتقويتها ، وكالقذف وسب المسلم ، وأذاه بكل قول . والكذب ، وشهادة الزور ، والقول على اللّه بلا علم . وهو أشدها تحريما . ومكروهه : التكلم بما تركه خير من الكلام به ، مع عدم العقوبة عليه . وقد اختلف السلف : هل في حقه كلام مباح ، متساوي الطرفين ؟ على قولين . ذكرهما ابن المنذر وغيره . أحدهما : أنه لا يخلو كل ما يتكلم به : إما أن يكون له أو عليه . وليس في حقه شيء لا له ولا عليه . واحتجوا بالحديث المشهور . وهو « كل كلام ابن آدم عليه ، لا له . إلا ما كان من ذكر اللّه وما والاه » . واحتجوا بأنه يكتب عليه كلامه كله . ولا يكتب إلا الخير والشر . وقالت طائفة : بل هذا الكلام مباح ، لا له ولا عليه ، كما في حركات الجوارح . قالوا : لأن كثيرا من الكلام لا يتعلق به أمر ولا نهي . وهذا شأن المباح . والتحقيق : أن حركة اللسان بالكلام لا تكون متساوية الطرفين ، بل إما راجحة وإما مرجوحة . لأن للسان شأنا ليس لسائر الجوارح . وإذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان ، تقول « اتق اللّه . فإنما نحن بك . فإن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا » وأكثر ما يكبّ الناس على مناخرهم في النار حصائد ألسنتهم . وكل ما يتلفظ به اللسان فإما أن يكون مما يرضي اللّه ورسوله أو لا . فإن كان كذلك فهو الراجح ، وإن لم يكن كذلك فهو المرجوح . وهذا بخلاف حركات سائر الجوارح . فإن صاحبها ينتفع بتحريكها في المباح المستوي الطرفين ، لما له في ذلك من الراحة والمنفعة ، فأبيح له استعمالها فيما فيه منفعة له ، ولا مضرة عليه فيه في

--> ( 1 ) وكذلك من أوجب الواجبات : ما يتوقف صحة إيمان العبد عليه . من آيات أسماء اللّه وصفاته ، وشرائعه وعبادته ، وغير ذلك . فإن عدم معرفة ذلك من القرآن يجعل إيمانه تقليديا صوريا ميتا كاذبا ، لا ينفعه ، ولا يدفع عنه هجمات العدو من شياطين الإنس والجن بالخرافات الجاهلية ، والبدع الوثنية وغيرها .